الأربعاء, أكتوبر 28, 2020
اخبار

تحقيق حول شبكات النفوذ الإسرائيلي في الاتحاد الأوروبي

تلعب الجماعات الموالية لإسرائيل دورا كبيرا على الساحة الأميركية، لكن نفوذها في بروكسل -مقر المؤسسات الأوروبية- ما زال غامضا، مع أنها ترسّخ المكانة المتميزة لإسرائيل في الاتحاد الأوروبي، الذي يرفض اتخاذ أي تدبير ضد إسرائيل رغم انتهاكها حقوق الإنسان.

وفي تحقيق نشره موقع ميديا بارت الفرنسي، قال مصدر في البرلمان الأوروبي إن اللوبي الإسرائيلي يتمتع بمعاملة خاصة يمتاز بها على سائر السفارات الأخرى لدى الاتحاد الأوروبي، فالبرلمان يفرض عقوبات على الروس إن تطلب الأمر لكنه لا يجرؤ على معاملة إسرائيل بالمثل.

ولا تظهر أنشطة هذا اللوبي في أوروبا على الملأ كما في الولايات المتحدة، فالاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الأول لإسرائيل، وقد منحها تدريجيا مكانة متميزة في مجالات حاسمة كالبحوث العلمية والابتكار والمخابرات.

وقام اللوبي الإسرائيلي بأول تمركز فعلي له في أوروبا إثر الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2001، حيث يقول الصحفي الأيرلندي ديفد كرونان “لقد أدركت إسرائيل ما لها من سمعة كارثية نتيجة قمعها للمقاومة الفلسطينية فحاولت تلميع صورتها لدى النخب الأوروبية”، وبعد 15 عاما أصبحت لدى تل أبيب شبكة نفوذ لا تضاهيها أي جماعة ضغط أخرى.

ومن أهم مكونات اللوبي الإسرائيلي المعهد العابر للأطلسي “ترانزاتلانتيك إينستيتيوت”، الذي أسسته اللجنة اليهودية الأميركية ومنظمة “بناي بريت يوروب” ومنظمة “أصدقاء إسرائيل الأوروبيون” التي تأسست عام 2006، والمنظمة الأوروبية الإسرائيلية للشؤون العامة التي تشبه اللجنة الأميركية الإسرائيلية للشؤون العامة (أيباك).

وهناك مؤسسات تقوم بمهام محددة، مثل “إن جي أو مونيتور” التي أنشئت عام 2002 وتعمل على نشر الأكاذيب لتشويه سمعة منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية والفلسطينية لدى الممولين الأوروبيين.

تتمتع جماعات الضغط في أوروبا بمرونة أكبر منها في الولايات المتحدة، فمن الصعب التعرف بدقة على مصادر تمويلها. إلا أن تفحص إعلانات الضريبة الخاصة بالمنظمات الخيرية يكشف أن المنظمات الإسرائيلية ممولة من اليمين الأميركي والإسرائيلي، ومن الهيئات الدبلوماسية الإسرائيلية.

وتجمع هذه المكونات بين الانحياز لإسرائيل والدفاع عن مصالح الجاليات اليهودية في أوروبا، ومع ذلك فلا يمكن القول إنها منبثقة مباشرة من هذه الجاليات. فالجمعية اليهودية الأوروبية، على سبيل المثال، التي تفاخر بكونها أوسع خيمة تظلل المنظمات اليهودية في القارة الأوروبية لا تضم إلا عددا قليلاً من الهيئات التي هي أوروبية المنشأ بالفعل.

ويعمل اللوبي على زرع مناصرين أقوياء له داخل البرلمان الأوروبي، مثل المجموعات المحافظة والحزب الشعبي الأوروبي. أما التيار المسيحي الصهيوني الذي يرى في نجاح الدولة اليهودية تحقيقاً لنبوءة توراتية، فأنصاره أقل في البرلمان الأوروبي من الولايات المتحدة، وهم يتجمعون داخل الائتلاف الأوروبي من أجل إسرائيل، الذي يؤيد بحماس شديد السياسات المتطرفة للحكومة الإسرائيلية وسيطرتها على القدس.

وتعتمد إسرائيل أيضا على من يعتبرها حصنا في وجه الإسلام، لا سيما المحافظين والتيارات اليمينية المتطرفة التي تتقرب منها إسرائيل، على الرغم من علاقاتها المشبوهة بمعاداة السامية.

ويمثل استقطاب اللوبي للنواب الأوروبيين تضاربا في المصالح، فبعضهم يعملون مستشارين لدى مجموعات أوروبية ولدى السفارة الإسرائيلية معا، وهو أمر محظور.

على الصعيد الاقتصادي، ينجذب بعض رجال الأعمال إلى فرص الاستثمار في إسرائيل بصفتها دولة ناشئة وعالية التقنية، كما تعد إسرائيل مستوردا مهماً للأسلحة الأوروبية ومصدرا للتكنولوجيا الحربية المتقدمة، ولا سيما الطائرات المسيرة المسلحة.

وإذا تم تغليب اعتبارات القانون فإن الأمر كارثة على إسرائيل. ففي عام 2009 أدى تجميد النهوض بالعلاقات الثنائية مع إسرائيل بعد العدوان على غزة إلى تخفيض حجم مبادلاتها التجارية مع الاتحاد الأوروبي بنسبة 20.8%.

لكن اللوبي شن حملة مكثفة لتحفيز الليبراليين الأوروبيين على فصل حقوق الإنسان عن مصالحهم الاقتصادية، ومن بين المقولات التي تم بثها أن تسهيل دخول السوق الأوروبية الموحدة لشركة تيفا الإسرائيلية، وهي المنتج الأول في العالم للعقاقير البديلة، سيتيح للمواطنين الأوروبيين الاستفادة من أدوية رخيصة.

ويقول مصدر مطلع إن الاتحاد الأوروبي ينفق ثلاثمئة ألف يورو كل سنة للتخفيف من معاناة الفلسطينيين، في حين أنه لو رُفع الحصار ولو جزئيا على غزة وأزيلت القيود المفروضة على الضفة الغربية لما كانت هناك حاجة لدفع هذه المساعدات.

وحتى الآن، لم ينجح الاتحاد أو الدول الأعضاء في مساءلة إسرائيل بشأن الدمار الذي يلحقه جيشها بالمشاريع الممولة دوليا في فلسطين، علاوة على فرض أي عقوبات.

ومع أن لدى الاتحاد كل وسائل المساءلة، بل عليه واجب المساءلة وفقا للقرار 2334 الصادر عن مجلس الأمن عام 2016، ففي 18 مارس/آذار 2017 أوضح القسم القانوني في المفوضية الأوروبية في وثيقة سرية أن عمليات التدمير منافية للقانون، وطالب بفرض عقوبات، إلا أن المفوضية اكتفت بالتنديد اللفظي، وتجاهلت الوثيقة تماماً.

يلعب اللوبي دورا كبيرا في “نزع الشرعية” عن حملة المقاطعة الدولية لإسرائيل، حيث أنشأت الحكومة الإسرائيلية في 2017 صندوقاً بـ72 مليون دولار لمحاربة الحملة، ويعمل اللوبي على تذكير الأوروبيين بإبادة النازية لليهود لتهديد أي طرف يقاطع إسرائيل بمعاداة السامية، حتى نجح تعديل القوانين على هذا الأساس، بما سمح بإلغاء العشرات من مهرجانات التضامن مع فلسطين.

ويتساءل معدو التحقيق “هل ينقلب السحر على الساحر؟ فرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو المتأكد من حصانته بات يتحرك دون أي حرج، مكثفاً الاستيطان ومعززاً الطابع اليهودي للدولة، مما يسيئ لسمعة إسرائيل”.

وفي فبراير/شباط 2017 كان رئيس المنظمة الأوروبية الإسرائيلية للشؤون العامة قد ارتاب من تصويت البرلمان الإسرائيلي على مشروع قرار يسمح بسرقة الأراضي الفلسطينية، فقال رئيس المنظمة إن هذا “يلغي قسطا كبيراً من العمل الجيد الذي نقوم به لتقديم إسرائيل في أحسن وجوهها في المؤسسات التابعة للاتحاد الأوروبي”.

اترك تعليقاً